أرادن وكل صبنا :: Araden and all Sapna

عزيزي الزائر الكريم ... انت لم تقم بتسجيل دخول بعد ، انقر على الدخول..
او على التسجيل ان لم تكن بعد مسجل كعضو في منتديات ارادن وكل صبنا
أرادن وكل صبنا :: Araden and all Sapna

أهلا وسهلا بكم

اهلا وسهلا بكم في منتديات أرادن وكل صبنا 

    ندوة الكتاب المقدس/ عنكاوا- العراق

    شاطر

    مركريت قلب يسوع
    VIP
    VIP

    انثى عدد الرسائل : 710
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/02/2008

    ندوة الكتاب المقدس/ عنكاوا- العراق

    مُساهمة من طرف مركريت قلب يسوع في الخميس سبتمبر 16, 2010 11:02 pm

    ندوة الكتاب المُقدس
    عنكاوا - أربيل (العراق)
    تقديم المطران بشّار متي وردة
    الخميس 5 آب 2010
    الكتاب المُقدس مكتبة ضخمة من 73 كتاباً وُزّعت على قسمين يُعرفان بالعهد القديم والعهد الجديد، وكلاهما عهدٌ واحد. نُريد أن نسير أسبوعياً برفقة الكتاب، برفقة كلمة الله التي جاءت بلغة بشر وتعابير بشر ومواقف بشر، لأن الله هكذا أراد أن يكون منذ البدء: إله بشر. هذا هو اختياره الحُر، وعلينا ن نحترمه في اختياره هذا.
    كلمة الله هذه بحاجة إلى أن تُعاش، لا أن تُقرأ فقط: ما كلُّ مَن يقول لي يا ربَ، يا ربّ، يدخل ملكوت السموات، بل مَن يعمل بمشيئة أبي الذي في السموات" (متى 7: 21). هذا ما أوصانا به ربّنا يسوع. فموضوع هذه الندوات ليس أن نقرأ ونُفسّر فقط، بل أن نُؤوّن، أي أن نجعله آنياً، هنا والآن، بمعنى أن نُلي الكلمة، أن نعيشها ونشهدَ له، أي أن نُظهِرَ فعل إيمان. فتفسير الكتاب وتأوينُه جُزءٌ من إيماننا، لأننا نستقبل كلمة الله في حياتنا، ونُحضِر حياتنا أمام كلمة الله.
    ولكن كيف لنا أن نٌفسّر؟ وهل يُمكن أن نُحاورَ مَن رحلَ عنّا قبل الآلاف السنين؟
    جاء التلاميذ إلى مُعلّمهم يوماً فوجدوه يقرأ التوراة ويفرك أصابع قدميه ويحّكها بقوّة حتى بدء الدم يسيل منها. فسألوه: ماذا تفعل يا مُعلّم؟ أنت تُؤذي نفسكَ؟
    فأجاب: النص صامتٌ ولا يُريد الكلام وإني أُحاول معه حتى أسمع تعليماً للحياة.
    الكتاب المُقدس ليس بحاجة إلى قراءة خمسة عشرة دقيقة يومياً فقط. الكتاب المُقدس يُريد قراءة متأنية، وإصغاءً مُنتبهاً، وأفعالاً صادقة تتجاوب مع ما سمعنا. وإلا صارَ مثل حبةِ القمح المُلقاة على قارعة الطريق، تأتي الطيور فتلتقطها (متى 13: 4).
    لذا، سنُصغي إلى كلمة الله بتأنٍ، وسنشرحها بمُساعدة كل الذين ألهمهم الروح القُدس ليُعلّموا معنى الكلمة، من معلمين ومُفسرين وقديسين، مؤمنين أن الروح عينهُ هو معنا اليوم وكل اليوم. هو الذي قال: حيثما أجتمعَ اثنان أو ثلاثة باسمي فأنا بينهم.
    فيا ربُّ إليكَ نرفع اجتماعاتنا هذه،
    كُن معنا هادياً ومُرشداً ومُعيناً،
    وقوّنا لكي نُصغي بصفاء وصدقٍ وشجاعة إلى كلمتكَ.
    رافقنا في مسيرتنا مع آباءنا في الإيمان،
    وجدد العزَمَ لنستجيبَ لما تُريده لنا ومنّا.
    أنت مَن دعوتنا اليوم لنكون معكَ،
    نشكُركَ على تجسّدِكَ،
    أنت إلهنا وملكنا إلى الأبد: آمين.
    سنبدأ أخوتي وأخواتي هذه الرحلة مع أبينا إبراهيم، وسنعود لاحقاً إلى الفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين.
    قصة أبرام (تك 11: 27- 25: 18)
    تبدأ قصة أبرام من ترحّل عشرية تارح من أور الكلدانيين إلى أرض كنعان (11: 27- 32). مراراً ما يُهمل كثيرون هذه البداية ويُسرعوا إلى الفصل 12 كبداية لقصة إبراهيم، والحقيقة أن الرحلة بدأت مُبكراً، فتارحُ الأب أخذ أبرام إبنه البكر، ولوطاً إبن حفيده، وساراي كنّتهُ قاصدين أرض الكنعانيين، ولكنهم أستقرّوا في حاران حيث ماتَ تارح الأب، فكان على أبرام أن يُواصل المسيرة نحو أرضِ كنعان. نجد أن الله نفسه يأخذ مُبادرة العشيرة ليبدأ مع الإنسان من جديد.
    ولكي نفهم هذه النصوص علينا أن نسأل: لمَن كُتِبت هذه النصوص؟ مَن هم المستمعون الأوائل؟
    إعتاد شعب إسرائيل أن يقرأ نصوص التوراة كل يوم. هذا الشعب الذي يُشكل جزءُ من الإنسانية، وفيه نجد أنفسنا، عَرِفَ الفشل واليأس والقنوط كخبراتٍ قاسية، لاسيما أنه أختبرَ أن بعضاً من طُرقهِ واختياراته الحياتية أوصلتهُ إلى طُرقٍ مسدودة، لا مُستقبلَ لها. لقد اختبرَ كغيره من الشعوب خبرة الموت المُرعِبة، فلا مُستقبلَ يترجّاه، وليس من قوّة بشرية قادرةٌ على أن خلقِ هذا المُسقبلَ. ولكن ما يُميّز هذا الشعب، ونحن أيضاً ككنيسة يسوع المسيح، هو أن العقم والجفاف هو الأرض الخصبة التي يعمل فيها يظهر فعلُ الله، هذا ما عرفناه منذ كلمة الخلق الأولى، وتواصلت مع فعل التحرير، وصولاً إلى يسوع المسيح.
    العالم يخافُ كلمة الله، فلا يُصغي إلى الكلمة، وفي عدم إصغائه يتوقّف عن الحياة، فلا رجاء له، لأنه يخاف الكلمة. وفي خوفهِ يميلُ إلى السكون والصمت، وفي سكونه وصمته يستقر في مبادئَ وأيدولوجيات، وهي ظواهر فيها كلماتٌ كثيرة ولكنها كلماتٌ غير مؤثرةٍ وغيرُ فاعلةٍ، وتعتمد على قدرة الناس على التكرار والإعادة، ومن ثمة تقتل الإبداع، فلا مُستقبلَ لها. هنا، تأتي كلمة الله: إرحل ... قُم ... تحرّك ...، لأن الإنسان، والجماعة من بعده، لم تُخلق لتعيش في فراغٍ وعُزلة، بل وُجدَ ليعيش مع وبين ومن أجل الآخرين: بِكَ تتبارك شعوبُ الأرض كلّها. نداء الله يدعو الجماعة العقيمة لتكون: "وقال الله "ليكن نور"، فكان نورٌ. (تك 1: 3)، وأكثرُ من ذلك لتكون حاملة رسالة، وحاملة البركة. الله يدعو الجماعة الساكنة إلى الحركة فيخلق الترحال وتكون الحياة، والحياة بوفرةٍ. فإن أخترتَ السكون صرتَ عقيماً، وإن لبّيتَ النداء وبدأت الترحال كان لك رجاء بالحياة؛ "لأن الذي يُريد أن يُخلّصَ حياتهُ يخسرها، ولكن الذي يخسر حياته في سبيلي وفي سبيل البشارة يُخلّصها" (مر 8: 35).
    فلنبدأ الرحلة مع إبراهيم
    "أور الكلدانيين" مدينة على نهرِ الفراتِ تعرّف عليها بنو إسرائيل لمّا أُخذوا أسرى إلى بابل، فمن الشرق كان الأصول وكانت البدايات؛ "فطردَ آدم وأقامَ الكروبيم شرقيَّ جنّةِ عدن،" (تك 3: 24)، "وخرجَ قايين من أمام الربِّ وأقامَ بأرضِ نُودَ شرقيَّ عدن" (تك 4: 16). ولكن ما الرابط ما بين "أور" وما بين "حاران"؟ لماذا يبدأ تارح الأب رحلته من أور ويتوقّف في حاران؟ من المؤكد أن كلتا المدنتين كانتا مركزين لعبادة القمر، ولربما يُعطي هذا نوعاً من الآمان النفسي لرئيس العشيرة تارح في أنه يتجوّل في آماكن آمنة.
    قبل هذه الآيات يذكر الكتاب المقدس مواليد سام، إبن نوح حتى يصل إلى تارح إبن ناحور، هذه المواليد علامة لاستمرارية بركة الله لنوح: "أُنموا وأكثروا واملئوا الأرض" (9: 1) ... فأنموا وأكثروا وتوالدوا في الأرض وسيطروا عليها (9: 7)، ولكن ثمة شيءٌ يخترقُ هذه المسيرة ويُوقفها: الأرض عقيمةٌ ولا تُشجّع على البقاء، وامرأة أبرام عاقرٌ (11: 30)، ويموت الأب تارح (11: 32) ويبقى أبرام وحيداً بلا أبٍ أو أخٍ، وغريباً في أرضِ كنعان.
    هناك صعوباتٌ منذ بدء الرحلة: تبلبلتِ الناس وتشرّدت بعد حادثة برجِ بابل (تك 11: 1- 9)، والأرض عقيمة ولا تُشجّع على البقاء، الأم عاقر: "وكانت سارايُ عاقراً لا ولدَ لها" (11: 30)، عُمر أبرام75 سنة (12: 4). البلبلةُ والحربُ والعنفُ والقحط والعُقم والظلمة كلّها خبراتٌ إنسانية لا تغيبُ عن وجه الله، وهي لا تُثنيهِ عن قصده في أن يكون إله إنسان: أنا إلهكُم وأنت شعبي، ويبدأ من حيث ينتهي الإنسان؛ حيثُ ينعدمُ الرجاء، ولا أملَ بمواصلة الحياة، فيتطلّب مواصلة المسيرة فعلُ إيمان راسخ، ورجاء ضد رجاء، وسيُقدم أبرام أفعالاً إيمانية مُتميزة برجاء مُحبٍ لله.
    من المهم جداً أن نفهم أن تاريخنا يبدأ بوعدٍ من الله، هذا الوعد مُتجذرٌ في تاريخ البشر، فليس وعداً في فضاء خالٍ، بل له زمانٌ ومكان، هو تاريخ إنساني. ولكنه ينتهي بالعُقم، فلا مُستقبلَ ينتظرُ هذه العائلة المُتغرّبة في الأرضِ. اللامُستقبل، الخواء، العدمية لن يكون لها الكلمة الأخيرة في حياة شريكَ الله. هذه القصص كانت تُتلى وتُصلى وسط أُناس فقدوا كل الرجاء بالعودة إلى أرضهم أحرار، هم في بابل، في الأسرِ يستعيدون هذه القصص، ويتقوّون بالرجاء من أن أباءهم في الإيمان واجهوا هذه العدمية، ولكنَّ الله، والله وحده، هو مَن أعطاهم الحياة. كلمة الله تأتي دوماً في مثل هذا الواقع الإنساني المرير لتُعطيهُ نفساً جديداً: "ونفخَ في أنفهِ نسمةَ حياةٍ، فصارَ آدمُ نفساً حيةً" (تك 2: 7).
    رحلة أبرام (12: 1- 9)
    بدء الرحلة مُطالبةٌ من الله بالتخلي: أترك أرضكَ وعشيرتكَ وبيتَ أبيكَ إلى الأرض التي أُريكَ. فمن الآن سيستلم الله دفّة التخطيط والقيادة: أُترك ... أنا أُريكَ ... فأجعلكَ ... أُبارككَ ... أُعظّم إسمكَ ... . تأتي الدعوة إلى أبرام في ظروفٍ حياتية صعبة، لتطلّب الأصعب: هو الأب المسؤول عن عائلة كبيرة، وعن يتيمٍ: لوط، فيستجيبُ لها أبرام ويترك الحلقة الأكبر: الأرض، ثم العشيرة وصولاً إلى تركِ بيت الأب: العائلة. تتطلب الدعوة تجرّداً تاماً، وتخلياً عن كل الروابط، وأمرٌ بالتوجه إلى المجهول: الأرض التي أُريكَ، متى ما أشاء. ويستجيبُ أبرام لهذه الدعوة ويُبيّن لنا مَن هو الله في حياته، إنه إلهٌ يُطاعُ عندما يأمر.
    ولكنَّ الله الذي يأمر لا يتخلى عن الذي يدعوه، بل يُنعِم عليه بما يحتاج إليه هو والذين سيعيش بينهم: أُباركك ... تكون بركة ... أُعظّم إسمكَ ... أجعلك أمةً كبيرة ... اُبارك مُباركيك (2-3). الله يعدُ أبرام بأن يهبَ له كل شيء، وأبرام يؤمن وينطلق في رحلته. يقبل أن يكون هو واسطة لتتبارك من خلاله الشعوب كلّها: "بك كل عشائر الأرض ستتبارك"، أو "يتبارك بكَ جميعُ عشائر الأرضِ، أو يُمكن ترجمتها: ستكون بركةً، أو "بكَ سيُبارك جميع عشائر الأرض أنفسهم.
    أبرام إبن الخمس والسبعون سنة، وزوج أمرأةٍ عاقر، وغريب في أرض مجهولة، بمعنى هو ميّت معنوياً ولا مُستقبلَ لأسمه. من هنا يعظُمُ فعلُ الطاعةِ الذي قدّمه أبرام، هو ليس تصديق فحسب، بل عيش ما هو واقع. وهذا هو معنى الرجاء المسيحي. فالرجاء ليس أمنية وتطلّع، بل أن أعيش ما اُؤمن به، حتى وإن عارضني الحياة كلّها. الرجاء ليست كلمة إعلامية مُشجّعة، بل تواصلٌ وإكمالٌ للمسيرة من حيث إنتهت.
    هذه القصة ليست قصة دعوة للتكريس الكهنوتي أو الرهباني، بل قصة كل إنسان يعيش علاقاتٍ إنسانية مع الآخرين، مع الله ويُريد أن يعيشها بصدقٍ. كم من علاقات إنسانية تبدأ بودية ولطفٍ، وتتعمّق إلى صداقةٍ مُحبّة، وتصل إلى الإرتباط بعهدٍ، ويُصيبها الجفافُ والقحط، فتُصبح عقيمةً لا بل حملاً ثقيلاً؟ كم من زواجاتٍ يكون الحديث بين المتزوجين في أيامهم الأولى أغانٍ وأشعار وتهاني، وينتهي صراخٌ وعويل ولعانات؟ كم من علاقات يُصيبها مرض الشيخوخة مُبكراً، وتنعدم الحيوية والتجدد فيها، وتموت الحياة تدريجياً؟ نحن مَن يسجن نفسه في أرضٍ ومواقف لا نُريد أن نُغادرها لأننا نخاف الترحّل عنها؛ هي كلُ ما نملُك، ولكنها مواقف عقيمة ليست فيها حياة. هناكَ مَن يعتقد بيننا أن لا مُستقبل ينتظره، وليس من أملٍ أو حياةٍ ليعش، فالعدمُ ينتظره.
    هنا يأتي صوت الله: إنطلق من أرضكَ، من عشريتكَ ومن بيتِ أبيكَ". إنطلق من حيثُ أنت! تحرر من مكانكَ الذي أسرتَ نفسكَ به. غيّر مكانكَ! غير إسمكَ! كُن مُستعداً للخروج من الأرض التي إستعبدتكَ! من المواقف التي قيّدتكَ! كُن حُراً وسر أمامي في الأرض التي سأختارها أنا لك.
    ويبدأ أبرام الرحلة، ويجتازُ واثقاً في الأرض التي يُريها له الله، من دون أن يبعثَ بجواسيس يتفحصونَ الأرضَ مثلما فعل أبناءه لاحقاً (عدد 13: 32). وهو بذلك يُعلّمهم درساً في وجوب الثقة المُطلقة لله. يصل إلى بلوطة مُورة في شكيم (12: 6) وتعني "شجرة المُعلّم"، ونفهم من ذلك أن أبرام بدء الرحلة ويبحث عن تعليم (توارة) أو إرشاد، وينال أكثر من تعليم، لقد تراءى له الربُّ نفسه ليُؤكّد له البركة. فيُقيم في كل محطّة مذبحاً لله علامةً على أن الأرض كلّها هي لله، لاسيما في الأماكن المهمّة في تاريخ الشعب: شكيم حيث سيجتمعُ الشعب المُخلَّص من مصرَ ليُقسموا الولاء للعهد مع الله الذي أخرجهم من أرض مصر، دار العبودية (يش 24: 17).
    يسير أبرام كما يأمره الله، حياته فعل إيمان ويُظهره بطاعته للكلمة. يرحل في الأرض ويجتازها، لأن الإنسان إنّما خُلق ليسير رحالاً على الأرض، فحياته طريقٌ، ويوم يستقر ويثبُت، عندها يختبرُ العُقمَ. إبراهيم يؤمن بالوعد على الرغم من أن حياتهُ ستُظهر أن لم يستوعب كيفية تحقيق هذا الوعد، هو في الارض، ولكنه لم يتملّكها بعدُ. لكن السير والتـرحال هو أسلوب الله في التواصل مع شعبه، الله ضد السكون في مكانٍ ثابت: "ولكنَّ الربَّ قال لناثان في تلك الليلة: "إذهب وقُل لعبدي داود: هذا ما يقول الربُّ: أأنتَ تبني لي بيتاً لسُكنايّ؟ ما سكنتُ بيتاً من يومِ أخرجتُ بني إسرائيل من مصرَ حتى الآن، بل في خيمةٍ كُنتُ أنتقلُ مَعهُم على الدوام، وفي كل آرتحالي مع جميع بَني إسرائيل لم أسأل أحداً من رؤسائهم الذين أمرتهم أن يرعوا بني إسرائيل شعبي: لماذا لم تُقم لي بيتاً من الأرزِ؟ ( 2 صمو 4: 4- 7).
    هذا الترحال يجعل الإنسان حُراً مثل إلههِ، ليس مُرتبطاً بمكانٍ، وله القُدرة على التحرّك والإبداع ومواجهة الجديد، ويُؤهله ليكون بركة، ليختبرَ نعمةَ الله، ليكون حيث ما يكون هو. لذا، فإيماننا مُستقبلٌ نسير إليه وليس ماضٍ يأسرنا. وإذا أردنا أن تكون علاقاتنا حيّة ومُثمرة ومُباركة ومُبارِكة، يجب أن نسعى لتكون ذات مُستقبل. فالماضي، ومع أنه معروف إلا أنه مُخيفٌ لأنه يُحطّم إمكانياتٍ ويقتلُ المواهب.
    هنا يأتي دور القريب، الصديق ليُنقذ العلاقة من جمودها، ويُقيمَ ما ماتَ فينا، فيُحافظ على نضارتها: إرحل، "أيها الشاب، أقول لكَ: قُم" (لو 7: 14). لا يأتي الله هنا بعمل سحري، ولا يقول كلماتٍ خارقة، بل يُخاطب إبراهيم، ويُخاطبنا: إرحل وتحّرك من الأرض التي أنت جمدتَّ فيها. أنت مدعو لتكون أباً للشعوب، دعوتُكَ لتكون مُثمراً، فتجرّد، إفرغ، هيأ لي مكاناً لأجعلكَ خصباً، معطاءً، وافراً.
    ويُؤكد الله مرّة أخرى، كما سيُؤكدها مراراً لأبرام ولنا أنه: عمانوئيل.
    أبرام في مصر (12: 10- 20)
    "وكان جُوع في أرضِ كنعانَ، فنزلَ أبرام إلى مصرَ ليتغرّبَ هُناكَ، لأن الجُوعَ كانَ شديداً". أرض الميعاد أرضُ أزمةٍ، أرضٌ لا تستطيع أن تُقيتُ أبرام وعائلته الصغيرة، فكيف ستوفّر المعيشة للنسل الموعود؟ أبرام يترك أرضه من أجل وعدٍ بأرض مُباركة، وإذا بها أرض مجاعة، فيُضطر إلى النزول إلى مصرَ العبودية حاملاً الوعد الذي لا يعترف به فرعون مُطلقاً. قصة تستبقُ نزول أحفادَ إبراهيم، وتُبيّن أهمية أن يكون لإبراهيم، ولأمته ثقةٌ بالله.
    يُوقفنا النص أمام كلمة "ليتغرّبَ هناكَ"، كونها تُعطينا صورة مُسبَقَة عن حالة إبراهيم، وكلُ مَن سينزل إلى مصر تاركاً أرضَ الميعاد: سيكون غريباً. خبرة الغُربة خبرة مُخيفة. تُريد ونسياً فلا تجده، تطلبُ صديقاً وليس حاضراً، تشتاقُ إلى أخوتك وأخواتك، ولا من مُعين. إهاناتٌ وإذلالٌ لإنسانيّتك، بالحقيقة العلاقاتُ في الغربة عقيمة ومُتأزمةٌ ولا مُستقبلَ لها، ولنا أن نتوقّع تحدياتٍ وأخطاء كثيرة، لأن العلاقات مبنيةٌ في اجواء خاطئة ولغاياتٍ خاطئة وهي بحاجة إلى أن تُعدّل وتُصحح.
    أولّها: يُحاور أبرام إمرأته ساراي: أنت جميلةٌ ... رائع من رجلٍ في الخامسة والسبعين من عمره ما زال يتحسس لجمال زوجته. الآن الكثير من الرجال لا يتحسسون لمثل هذه المشاعر التي تحتاجها المرأة؛ أنت تشعر بأنها إنسانة ولها مواهبها وصفاتٌ تُميزها عن غيرها من النساء.
    "وإذا رآك المصريون سيقولون: هذه إمرأتُه، فيقتلونني ويُبقونَ عليكِ" ... يا أبرام، أنت تمدح جمال ساراي خوفاً على حياتِك! هذه أولى مخاطر الغُربة، أن يكون الإنساني أنانياً في مواقفه؛ راحتي، حياتي، سعادتي، مصالحي ... وبالتالي علاقاتٌ عقيمة أيضاً. يتصرّف أبرام مع ساراي وكأنها مُلكهُ لا زوجته وأم الأبن الموعود. "ساراي" تعني ملكتي، فيفهم أبراهم أنها من أملاكهِ، وبالتالي يشوبُ العلاقة خطأٌ ومخاطر. فالجميع يتحرّك ضمن دائرة المصالح الشخصية، كلٌ يحاول الحفاظ على حياته مهما كان الثمن، حتى لو كان حياة وكرامة الآخر. الكل يبحث عن حلٍّ يُناسبُه هو متناسياً القريب، لذلك، تبدو الحلول عقيمة لابل توُصلنا إلى نهايات مُغلقة ومُخطرة.
    يعتقد أبرام أن الوعدَ أُعطيَّ له، فيجب أن يُحافظ على حياته، ولذا يستلّم المهمة ويُخاطر بحياة أم إبن الوعد، مُتناسياً ان الذي دعاه هو سيحفظ حياته، ومتناسيا أنه إذا سلّم أمرأته إلى فرعون فإنمّا سيُدمّر كل شيءٍ حتى وإن كانت النوايا سليمةً. نسيَّ أبرام أن تسليم ساراي إلى فرعون يعني نهاية الوعد، فالله وّعّدَ إبراهيم وهو المسؤول عن تدبير ما يلزم، وما على الإنسان إلا أن يُصغي ويستجيب مع مُبادرة الله، من دون أن يُبعد الله عن حياته.
    علينا أن لا ننسى أن أبرام إنسانٌ وهو يتحرّك ما بين الإيمان المُلطق والخوف المُقلِق؛ ما بين القرارات الشجاعة وما بين المواقف المُخزية. الخوف الذي يجعله يتصرّف بغرابةٍ، ويُخطأ على نحوٍ قاتل، من دون أن يكون له جوابٌ مُبرر. سأله فرعون: "ماذا فعلتَ بي؟"، ولم يأتيه الجواب! ونحن نسأل أبرام: لماذا طلبتَ من ساراي أن تكذبَ وخاطرتَ بحياتها من أجلك؟ لا جواب! لماذا؟ لأنه تصرفٌ أناني ليس إلاّ.
    لا يُخبرنا الراوي لماذا يُعاقب الله فرعون في حين أن المُخطأ كان أبرام! ولا يُخبرنا كيف أكتشفَ فرعون حقيقة سارة! هذه الأمور تبقى مخفيّة في عمل الله الذي تجلّى بقوّة ليحمي ما أفسده الإنسان، فيتدخّل الله لينُقذ الواقع الإنساني ويُعطيه أملاً جديداً. الله يفتح أمام الإنسان طريقاً لم يُفكّر به، أو على الأقل لم يثق به. صوت الله يُؤكد لإنسان: سرّ، إرحل، إنطلق ولا تخاف، ليُعيد أبرام، كما أعاد الإبن الضال إلى بيت أبيه. لقدّ غيّر الله إغترابَ أبرام إلى رحلة غنى: فصار له غنم وبقر وحمير وخدام وخادمات وحمائر وجمال " (12: 16)؛ والصورة ذاتها ستتكرر مع شعبِ إسرائيل لدى خروجه من أرضِ مصرَ؛ فيكون الغنى هنا علامة لنعمة الإنقاد، فلن يكون إنقاذاً فحسب، بل فرصة إغتناء وبوفرة.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 11, 2016 5:17 am